مصر فى عيون طلال أبوغزاله.. عندما يكتب الكبار عن مصر
مصر فى عيون طلال أبوغزاله.. عندما يكتب الكبار عن مصر
فى الذاكرة كانت دوما مصر الدولة الكبيرة حاضره بتاريخها واتساع رقعتها الجغرافية وخصوصية شعبها المثاير، الذى يمنح الحياة معنى الإصرار وعزيمة التحدى، حملت عشرات بل مئات المقالات على مدى نصف قرن انطباعات ومواقف كتبتها عن مصر، تناولت التحديات الاقتصادية وبرنامج الإصلاح الإقتصادى، النظام المحاسبى وحماية الملكية الفكرية، كتبت عن حضورها فى المنظمات الدولية، عن دورها الوطنى، عن شعبها وأصالته عن طموحاتها فى بلوغ الأهداف التى من أجلها تعمل الحكومات.
تلك كانت السطور الأولى من مقدمة كتاب "مصر فى عيون طلال أبوغزاله" والذى صدر حديثا للمفكر العربى طلال أبوغزاله ويتناول فيه تاريخ مصر وحاضرها برؤية تعكس شخصيته العميقة التى ترى مصر بعيون المنصف الذى يعرف مكانتها وخصال شعبها ومآثرها.
الكتاب يضم خمسة فصول ويسرد بلغة رصينة التنوع فى مصر وعاصمتها القاهرة ويستدعى من التاريخ شهادات المفكرين والقادة من مختلف العالم حول مصر كما يخصص فصلا كاملا تحت عنوان قرن من العواصف يصد فيه كيف واجهت مصر عبر قرن من عمر الزمن العواصف العاتية وعبرتها بثقة واقتدار.
يقول أبو غزاله فى مقدمة الكتاب بحكم خبرتى الطويلة فى اقتصاديات الدول وإعداد الاستشارات للحكومات ومتابعة برامج الإصلاح الاقتصادي أترقب بدقة التجربة المصرية فى الإصلاح وخطة 2030 التى تتبناه الدولة المصرية،اعترف بأنني أتفهم الضرورات التى تدفع الحكومات الجادة نحو المضي فى الطريق الوعر الذى قد لا يحقق الرضاء العام وقد يتسبب فى تكدير حياة الناس، لكنه العلاج الوحيد لإنقاذ الاقتصاد ومواجهة عثرات الماضي والبدء فى خطط تنموية تعود بالثمار فى المستقبل غير البعيد.
كنت بيني وبين نفسي أتساءل متى يأتي الوقت الذى أتفرغ فيها لكتابة كتاب متكامل عن مصر؟ لا أخفي سرا عندما أقول أننى كنت أراجع نفسى كثيرا، بصفتي رئيس مجموعة مهنية هى مجموعة طلال أبوغزاله التى تلتزم الحياد والتفرغ لمهام العمل،وقبل أن تستبد بى فكرة عدم الكتابة أبحث عن الفرصة والوقت لإنجاز هذه المهمة.
الدوافع التى تجعلنى أتقدم نحو كتابة كتاب عن مصر بمنتهى الإصرار والحماس متنوعة وعديدة ،وهي بدون شك حافز قوي لدى ولغيري ممن يتابعون مسيرة الأمم ويتوقفون أمام قدرات الدول ومكانتها.
مصر لا تحتاج إلى دوافع من أجل الكتابة عنها فهى غنية بالحوافز التى ترسم الطريق لكل من يفكر فى هذا الأمر، تاريخ طويل يمتد إلى أكثر من سبعة آلاف عام ، حضارة ملهمة يشهد بها العالم ويتوق إلى زياراتها ، موقع جغرافي نادر يتوسط قارات الدنيا ، مساحة جغرافية ممتدة بين قارتى أسيا وأفريقيا تأثير بارز فى المحافل الدولية ،ومواقف حاضرة فى المنظمات الدولية بجانب كل هذا شعب يؤمن بوحدة الوطن وصلابة مصر، يعانى فى أوقات كثيرة لكنه يعرف كيف يواجه وكيف يمر فى آن واحد، يحتضن الوافدين كما لوكانت الحياة بدونهم لا تستقيم، وفوق كل هذا تجربة اقتصادية تنمو وتتحرك بمقاييس لافتة.
لم يكن الهدف هو تقديم مصر، وإنما قراءة التحديات التى تواجه الدولة، وعرض تصورات واقعية لمواجهة مثل هذه التحديات سواء على المستوى الاقتصادى أو المحاسبي أو فى مجالات التعليم والزراعة والبيئة الخضراء، واستحضار تجارب الدول التى نجحت فى إيجاد حلول مستدامة، حققت من خلالها النهضة والتنمية، بعض هذه الدول قد تكون أقرب فى الظروف إلى الحالة المصرية، هناك دراسات وكتابات ورؤى عديدة حول الحالة المصرية بعضها مر عليه عقود من عمر الزمن كانت فى زمنها قمة التفكير والرؤية ، وهناك دراسات حديثة وكتابات غير أنها تطرقت إلى التحديات دون أن تجتهد فى تقديم البدائل أو الحلول ، وإن فعل بعضها فإنه أكتفى بسرد النظريات التى قد لا تكون قابلة للتطبيق العملى.
البعض الأخر قد يتحفظ على ابراز التشوهات فى الموازنة العامة وتقييم السياسات المتبعة فى الملفات الإقتصادية التى هى عصب الحياة وتتفرع منها جميع الظواهر الإجتماعية ومؤشرات التقدم والنمو، والتحفظ من منظور أنه هذا ينتقص من كفاءة الإدارة والحكومة وهو تصور قابل للنقاش والحوار، مادامت النوايا صادقة تسعى إلى مساعدة الحكومة فى الطريق الصحيح لخدمة الوطن والشعب،بشروط واضحة أن تكون الأفكار تعود إلى متخصصين أصحاب خبرة وتجربة ومن واقع التحليل العلمى والمقارنات المدروسة،وهى تخضع للاجتهاد.
التجربة الطويلة فى الحياة ترشدنى إلى أن صانع القرار فى أى مكان فى العالم سواء فى مستوى رئيس الدولة أو الحكومات يحتفظ بالصورة الأوضح عن المنظومة العامة ، قطعا تتوافر أمامه البدائل المتنوعة ، يتباحث طويلا مع مستشاريه قبل اتخاذ القرار لكنه فى أحيان كثيرة يكون الاختيار تحت تأثيرات لا يمكن الابتعاد عنها.
الكتابة عن مصر، متعة تعيش معها عظمة الحضارة المصرية وتستذكر معها عطاء تاريخها وحاضرها ، من زاوية أنه يرصد التجربة المصرية كدولة مؤثرة فى الوطن العربي حاضرة فى المشهد العالمي صانعة تجارب يتوقف أمامها العالم بقدر كبير من الإعجاب والتأمل.
مصر تواجه، كما غيرها من الدول النامية، أزمات اقتصادية وضغوطًا اجتماعية وسياسية، لكنها تتميز بقدرتها على إدارة الأزمات والاستمرار في العمل دون توقف، هذه العزيمة فى التصدى للمتغييرات مهما كانت ،تدفعنى إلى التفكير في كيف يمكن تحويل هذا الصمود إلى تفوق؟.
الكتاب الذي بين يدي القارئ هو محاولة فى قراءة التجربة المصرية بعين عربية واقعية، تستفيد من الدروس ولا تكتفي بالإعجاب أو النقد،ما أقدمه ليس وصفًا، بل رؤية قابلة للتطبيق، لأن مصر، في تقديري، تمتلك من المقومات ما يجعلها في مقدمة المنطقة لو أحسنت توظيف مواردها وعقولها.
الكتابة عن مصر بالنسبة لي ليست واجبًا أدبيًا، بل ضرورة فكرية، لأن مستقبل المنطقة العربية لا يمكن فصله عن مستقبل هذا البلد،ومن يفكر في الغد العربي، لا بد أن يبدأ من مصر.
أكتب عن مصر لأنها لم تكن بالنسبة لي محطة عابرة في حياتي المهنية، بل بيئة منحت أبناء العرب الفرص تلو الفرص،على أرضها وجدت مناخًا يسمح بالعمل والنجاح، ورأيت كيف يمكن لدولة أن تبقى فاعلة على الرغم من الضغوط والتحديات.
ومع ذلك، كثيرون — في الداخل والخارج — يصدرون عنها صورة لا تعكس حقيقتها، البعض يختزلها في مشكلاتها، والبعض الآخر يراها من زاوية الماضي فقط، بينما هي في الحقيقة بلد يعمل بصمت، ويتغير تدريجيًا، ويخوض معركة بقاء وتنمية في آن واحد.
ومن لم يزر مصر لا يعرف خصوصية وطيبة شعبها؛ هذا الشعب الذي يجمع بين الصبر والمرح، بين الجد والمرونة، ويملك قدرة نادرة على التكيف مع الأزمات دون أن يفقد إنسانيته أو حسه بالحياة.
هذا الكتاب ليس بحثًا في الاقتصاد ولا دراسة أكاديمية، بل هو قراءة واقعية لمجموعة من القضايا المصرية من منظور تجربة حياة يهدف إلى الإسهام في التفكير لا في إصدار الأحكام.
أكتب عن مصر بعين من يعيش تجارب التنمية في أكثر من دولة عربية، ويتابع كيف تصنع الإدارة والوعي والفكر الفرق بين التحدي والفرصة، لذلك، فكل ما يتضمنه هذا الكتاب يقوم على التجربة والخبرة الميدانية وقراءة الأرقام .
لا يهدف هذا العمل إلى تكرار ما يُقال، بل إلى طرح الأسئلة التي تقود إلى الحلول ، كيف يمكن لمصر أن توظف طاقاتها البشرية؟ كيف يمكنها تحويل مواردها إلى قيمة مضافة؟ كيف تحافظ على استقرارها وهي تسعى للنمو؟
في كل فصل من فصول الكتاب، حاولت أن أقدّم رؤية قابلة للتطبيق، لا مجرد ملاحظات نقدية، التحدي ليس في وصف المشكلات، بل في اقتراح طريق واقعي لتجاوزها.
هذه الرؤية لا تمثل وجهة نظر مطلقة، بل وجهة نظر يمكن أن نتناقش حولها،ما أطمح إليه هو أن تفتح هذه الصفحات بابًا لحوار جاد حول مستقبل مصر الاقتصادي والاجتماعي، وحول رسالتها المهمة فى محيطها العربي؟
الاقتصاد، في جوهره، ليس علم الأرقام بقدر ما هو علم الإدارة؛ إدارة الموارد، والعقول، والوقت، من موقعى أتابع منذ عقود تطور الإقتصاديات الناشئة، أجد أن معيار قوة أى دولة لم يعد يقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية، بل بما تحققه من ناتج محلى إجمالى مستدام، يعكس كفاءة الإدارة لا حجم الثروة.
إن الناتج المحلى الإجمالى — وهو المرآة الحقيقية لقدرة الدولة على الإنتاج — لم يعد هدفًا بحد ذاته، بل أداة لقياس جودة القرارات الاقتصادية وقدرتها على تحسين حياة الناس،الدول المتقدمة لا تفتخر فقط بمعدل نموها السنوى، بل بقدرتها على تحويل هذا النمو إلى زيادة حقيقية فى الدخل الفردى، وإلى فرص عمل قائمة على المعرفة لا على الجهد البدنى.
عن قرب أتابع التجربة المصرية ،ورأيت كيف سعت الدولة إلى تحقيق معدلات نمو إيجابية رغم الظروف العالمية الصعبة، قبل سنوات كان معدل النمو يدور حول 2% إلى 3%، بينما ارتفع تدريجيًا حتى تجاوز 4%، وهو مؤشر جيد فى سياق إقليمى ودولى شديد التقلب،غير أن التحدى الأكبر لا يزال فى تحويل هذا النمو الكلى إلى نمو نوعى ينعكس على مستوى معيشة المواطن، وعلى قدرته الشرائية، وعلى عدالة توزيع الدخل بين الفئات والقطاعات.
أما متوسط الدخل، فهو البوصلة التى تُظهر إن كانت السياسات الاقتصادية تسير فى الاتجاه الصحيح،زيادة الناتج المحلى دون تحسن ملموس فى الدخل الفردى، تعنى أن الاقتصاد ينمو على الورق لا فى الواقع، وهنا يأتى دور الإدارة الاقتصادية الرشيدة، التى لا تكتفى برصد الأرقام، بل تضع الإنسان فى صلب معادلة التنمية.
إن دراسات الجدوى لم تعد اليوم مجرد تقييم لربحية مشروع، بل أصبحت منهجًا لتقييم جدوى السياسات ذاتها، الدولة الناجحة هى التى تدير اقتصادها كما تُدار المشاريع الكبرى بتقدير دقيق للتكلفة والعائد، بالشفافية، وبالقدرة على التكيّف السريع مع المتغيرات العالمية فى الطاقة، والتجارة، والتمويل، والتكنولوجيا.
مصر،بما تمتلكه من قاعدة صناعية،وسوق بشرية ضخمة، وموقع استراتيجى، تملك كل مقومات التحول إلى قوة اقتصادية إقليمية رائدة، إذا ما واصلت الاستثمار فى العنصر البشرى والتعليم، ووجهت سياساتها نحو رفع الإنتاجية وتحسين إدارة الموارد.
إن العالم لا ينتظر أحدًا، ومعدل النمو ليس رقمًا يُعلن فى مؤتمر، بل دليل على كفاءة الإدارة وقدرتها على تحويل الأزمات إلى فرص. وفى هذا المعنى، فإن معركة مصر ليست فقط على النمو، بل على جودة النمو، وعلى أن يصبح الاقتصاد المصرى اقتصادًا معرفيًا منتجًا، يقوده الشباب والعلم والتكنولوجيا.
لذلك، فإن هذه الرؤية ليست نهاية الفكرة، بل بدايتها.
د. طلال أبو غزاله

.png)