هذه التداعيات الجيوسياسية على اقتصادات الجنوب
هذه التداعيات الجيوسياسية على اقتصادات الجنوب
مع عودة التوتّرات الجيوسياسية إلى قلب سوق الطاقة، تبدو دول الجنوب العالمي كأنّها تدخل مرحلةً جديدةً من الهشاشة المركّبة، إذ تتقاطع أزمات الطاقة مع اختلالات مالية مزمنة لتنتج ما يمكن وصفها أزمة متعدّدة الأبعاد تتجاوز مجرّد ارتفاع الأسعار. طوابير طويلة على غاز الطهي في نيبال، ومن أجل ترشيد الاستهلاك، أُغلقت مصانع في سريلانكا، وهناك التحوّل إلى التعليم عن بعد في باكستان... هذه المؤشّرات كلّها لم تكن سوى تعبيرات أوّلية عن اختلال أعمق بسبب اختناق في شرايين الطاقة انعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي الكلّي.
نعم، عندما يصبح الوقود سلعةً نادرةً أو مرتفعة الكلفة لا يتوقّف الأمر عند حدود الاستهلاك المنزلي، بل يمتدّ ليشلّ سلاسل الإنتاج والنقل، ويضغط على موازنات الحكومات والأُسر في آن. وهذه الديناميكية ليست جديدةً بالكامل، فقد أظهرت أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا عام 2022 نمطاً واضحاً، فالدول الغنية قادرة على امتصاص الصدمات عبر الدعم المالي، بينما تُترك الدول الفقيرة لمواجهة الأسواق المفتوحة بموارد محدودة. فعلى سبيل المثال، حافظت أوروبا على مستويات طلب مرتفعة بفضل الدعم الحكومي، واستمرّت الأسعار العالمية في الارتفاع فترة أطول، ما أدّى فعلياً إلى نقل عبء الأزمة إلى الدول ذات الحيّز المالي الأضيق، والنتيجة كانت حتميةً في صورة اختلالات حادّة في ميزان المدفوعات واستنزاف سريع للاحتياطيات الأجنبية، وفي بعض الحالات الانزلاق نحو التخلّف عن السداد كما حدث في سريلانكا.
لا تمثّل هذه الأحداث حالةً استثنائيةً، بل تكشف آلية عمل السوق العالمية للطاقة في أوقات الأزمات، إذ تتحوّل القدرة على الدفع، وليس الحاجة الفعلية، إلى العامل الحاسم في توزيع الموارد. واليوم، ومع تصاعد المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة من الخليج، تتكرّر المعادلة، ولكن بحدّة أكبر. فالإغلاق الجزئي أو شبه الكامل لممرّات حيويةٍ، مثل مضيق هرمز، لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر في أسواق الطاقة والتمويل، وهنا تبرُز الفجوة بين الدول، ليس في درجة تعرّضها للصدمة فقط، بل أيضاً في قدرتها على امتصاصها.
الدول الغنية قادرة على امتصاص الصدمات عبر الدعم المالي، بينما تُترك الدول الفقيرة لمواجهة الأسواق المفتوحة بموارد محدودة
للتوضيح، يمكن فهم هذه الفجوة عبر بُعدَين متداخلَين. الأول، الاعتماد الهيكلي على واردات الطاقة. والثاني، القدرة المالية على تمويل هذا الاعتماد، وعندما تجتمع مستويات عالية من الاعتماد مع احتياطيات ضعيفة، تتشكّل بيئة مثالية لاندلاع أزمة اقتصادية كلّية. في هذا الإطار، تبرز دول مثل الأردن ومصر وباكستان حالاتٍ نموذجيةً للهشاشة المزدوجة، فهذه الاقتصادات لا تعتمد فقط على واردات الطاقة من الخليج، بل ترتبط أيضاً بتدفّقات مالية منه، سواء عبر تحويلات المغتربين أو الاستثمارات. ففي باكستان، على سبيل المثال، تمثّل واردات الطاقة نحو 4% من الناتج المحلّي الإجمالي، مع اعتماد يقارب 90% على الشرق الأوسط، بينما تصل التحويلات إلى نحو 5 – 6% من الناتج. وهذه الأرقام تعني أنّ أيّ اضطراب في المنطقة يضرب الاقتصاد من جهتَين في آن؛ رتفاع فاتورة الواردات وانخفاض التدفقات المالية، وهذا التداخل يُنتج حلقةَ ضغطٍ يصعب كسرها، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط، ليتّسع عجز الحساب الجاري، ما يؤدّي إلى تراجع قيمة العملة المحلّية. ومع ضعف العملة، ترتفع تكلفة استيراد النفط المقوّم بالدولار فتزداد الضغوط التضخّمية.
إذن، هكذا تدخل الاقتصادات في دوامة تضخمية تمويلية تتطلّب تدفّقات دولارية مستمرّة لكسرها، سواء عبر الاحتياطيات أو الاقتراض الخارجي، لكن المشكلة أن هذه الأدوات نفسها أصبحت أكثر كلفة وأقلّ توافراً، فمع تشديد السياسة النقدية عالمياً، حتى مع تثبيت أسعار الفائدة، فالسوق الآن لا تسأل: هل سترتفع الفائدة؟ بل متى سيتم خفضها. وعليه، بدأت تدفّقات رأس المال تنعكس خارج الأسواق الناشئة، ما يزيد صعوبة تمويل العجوزات. وفي حالة مصر، حيث تتجاوز الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل نصف الاحتياطيات، تصبح القدرة على امتصاص صدمة إضافية محدودة للغاية حتى مع الدعم الخارجي، ولا يختلف الوضع كثيراً في بنغلاديش وسريلانكا، حيث تتقاطع الاعتمادية على الطاقة المستوردة مع ضعف القاعدة التصديرية. ففي بنغلاديش، التي تعتمد إلى حد كبير على قطاع الملابس، يؤدّي ارتفاع تكاليف الوقود إلى تآكل القدرة التنافسية للصادرات، ما يضغط على الميزان التجاري من جانبَين: ارتفاع الواردات وتراجع الإيرادات. أمّا سريلانكا التي لم تتعافَ بالكامل من أزمتها السابقة، فتظلّ عرضةً لصدمة جديدة قد تعيدها إلى نقطة الصفر.
قد يؤدّي ارتفاع أسعار الطاقة على المدى المتوسّط إلى تسريع الاستثمار في مصادر بديلة
وتكشف بعض الحالات أهمية الاحتياطيات أداةً استراتيجية لشراء الوقت. خذ على سبيل المثال تايلاند، فرغم ارتفاع اعتمادها على واردات الطاقة، تمتلك مخزونات واحتياطيات نقدية تمنحها هامش مناورة أوسع، وكذلك الهند التي تجمع بين احتياطيات قوية ومرونة في مصادر الاستيراد، بما في ذلك القدرة على استيعاب النفط منخفض الجودة من أسواق بديلة. ربّما لا تلغي هذه المرونة المخاطر، لكنّها تقلّل من احتمالية تحوّل الصدمة إلى أزمة شاملة. ما أريد قوله هنا إنّ أزمة الطاقة لا تعمل بمعزل عن بقية مكوّنات الاقتصاد، بل تتغلغل في كلّ مفاصل النشاط الاقتصادي من الإنتاج الصناعي إلى الاستهلاك، ومن التضخّم إلى سعر الصرف، ومن ثقة المستثمرين إلى استقرار المالية العامة، وهي بذلك تمثّل اختباراً حقيقياً لصلابة النماذج الاقتصادية في دول الجنوب.
ولكن هذه الصورة القاتمة لا تخلو من فرص كامنة، فالأزمات الكبرى غالباً ما تدفع نحو إعادة هيكلة عميقة في أنماط الاستهلاك والإنتاج، وعليه، قد يؤدّي ارتفاع أسعار الطاقة على المدى المتوسّط إلى تسريع الاستثمار في مصادر بديلة، وتحفيز الابتكار في كفاءة الطاقة وإعادة النظر في سياسات الدعم غير المستدامة، كما يمكن أن تدفع هذه الصدمات الحكومات إلى بناء احتياطيات استراتيجية، وتعزيز تنويع مصادر الدخل، غير أن الاستفادة من هذه الفرص ليست تلقائيةً، بل تتطلّب قدرةً مؤسّسية على تحويل الضغط إلى إصلاح. وهنا يكمن التحدّي الحقيقي؛ فهل تستطيع الدول الأكثر عرضة للأزمة أن تنتقل من إدارة الطوارئ إلى بناء استراتيجيات طويلة الأمد؟
في المحصلة، ما نشهده ليس مجرّد أزمة طاقة عابرة، بل لحظة كاشفة لحدود النموذج الاقتصادي في كثير من دول الجنوب العالمي، فحين تصبح الطاقة، وهي المدخل الأساس لكل نشاط اقتصادي، مصدراً لعدم اليقين، فإن ذلك يعيد رسم أولويات السياسات الاقتصادية من جديد. وبينما تملك بعض الدول الوقت والموارد لإعادة التموضع، تجد دولٌ أخرى نفسها أمام خيارات صعبة، إذ يصبح الاستقرار الاقتصادي هدفاً بحدّ ذاته، لا مجرّد وسيلة للنمو.
د. طلال أبو غزاله
نعم، عندما يصبح الوقود سلعةً نادرةً أو مرتفعة الكلفة لا يتوقّف الأمر عند حدود الاستهلاك المنزلي، بل يمتدّ ليشلّ سلاسل الإنتاج والنقل، ويضغط على موازنات الحكومات والأُسر في آن. وهذه الديناميكية ليست جديدةً بالكامل، فقد أظهرت أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا عام 2022 نمطاً واضحاً، فالدول الغنية قادرة على امتصاص الصدمات عبر الدعم المالي، بينما تُترك الدول الفقيرة لمواجهة الأسواق المفتوحة بموارد محدودة. فعلى سبيل المثال، حافظت أوروبا على مستويات طلب مرتفعة بفضل الدعم الحكومي، واستمرّت الأسعار العالمية في الارتفاع فترة أطول، ما أدّى فعلياً إلى نقل عبء الأزمة إلى الدول ذات الحيّز المالي الأضيق، والنتيجة كانت حتميةً في صورة اختلالات حادّة في ميزان المدفوعات واستنزاف سريع للاحتياطيات الأجنبية، وفي بعض الحالات الانزلاق نحو التخلّف عن السداد كما حدث في سريلانكا.
لا تمثّل هذه الأحداث حالةً استثنائيةً، بل تكشف آلية عمل السوق العالمية للطاقة في أوقات الأزمات، إذ تتحوّل القدرة على الدفع، وليس الحاجة الفعلية، إلى العامل الحاسم في توزيع الموارد. واليوم، ومع تصاعد المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة من الخليج، تتكرّر المعادلة، ولكن بحدّة أكبر. فالإغلاق الجزئي أو شبه الكامل لممرّات حيويةٍ، مثل مضيق هرمز، لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر في أسواق الطاقة والتمويل، وهنا تبرُز الفجوة بين الدول، ليس في درجة تعرّضها للصدمة فقط، بل أيضاً في قدرتها على امتصاصها.
الدول الغنية قادرة على امتصاص الصدمات عبر الدعم المالي، بينما تُترك الدول الفقيرة لمواجهة الأسواق المفتوحة بموارد محدودة
للتوضيح، يمكن فهم هذه الفجوة عبر بُعدَين متداخلَين. الأول، الاعتماد الهيكلي على واردات الطاقة. والثاني، القدرة المالية على تمويل هذا الاعتماد، وعندما تجتمع مستويات عالية من الاعتماد مع احتياطيات ضعيفة، تتشكّل بيئة مثالية لاندلاع أزمة اقتصادية كلّية. في هذا الإطار، تبرز دول مثل الأردن ومصر وباكستان حالاتٍ نموذجيةً للهشاشة المزدوجة، فهذه الاقتصادات لا تعتمد فقط على واردات الطاقة من الخليج، بل ترتبط أيضاً بتدفّقات مالية منه، سواء عبر تحويلات المغتربين أو الاستثمارات. ففي باكستان، على سبيل المثال، تمثّل واردات الطاقة نحو 4% من الناتج المحلّي الإجمالي، مع اعتماد يقارب 90% على الشرق الأوسط، بينما تصل التحويلات إلى نحو 5 – 6% من الناتج. وهذه الأرقام تعني أنّ أيّ اضطراب في المنطقة يضرب الاقتصاد من جهتَين في آن؛ رتفاع فاتورة الواردات وانخفاض التدفقات المالية، وهذا التداخل يُنتج حلقةَ ضغطٍ يصعب كسرها، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط، ليتّسع عجز الحساب الجاري، ما يؤدّي إلى تراجع قيمة العملة المحلّية. ومع ضعف العملة، ترتفع تكلفة استيراد النفط المقوّم بالدولار فتزداد الضغوط التضخّمية.
إذن، هكذا تدخل الاقتصادات في دوامة تضخمية تمويلية تتطلّب تدفّقات دولارية مستمرّة لكسرها، سواء عبر الاحتياطيات أو الاقتراض الخارجي، لكن المشكلة أن هذه الأدوات نفسها أصبحت أكثر كلفة وأقلّ توافراً، فمع تشديد السياسة النقدية عالمياً، حتى مع تثبيت أسعار الفائدة، فالسوق الآن لا تسأل: هل سترتفع الفائدة؟ بل متى سيتم خفضها. وعليه، بدأت تدفّقات رأس المال تنعكس خارج الأسواق الناشئة، ما يزيد صعوبة تمويل العجوزات. وفي حالة مصر، حيث تتجاوز الالتزامات الخارجية قصيرة الأجل نصف الاحتياطيات، تصبح القدرة على امتصاص صدمة إضافية محدودة للغاية حتى مع الدعم الخارجي، ولا يختلف الوضع كثيراً في بنغلاديش وسريلانكا، حيث تتقاطع الاعتمادية على الطاقة المستوردة مع ضعف القاعدة التصديرية. ففي بنغلاديش، التي تعتمد إلى حد كبير على قطاع الملابس، يؤدّي ارتفاع تكاليف الوقود إلى تآكل القدرة التنافسية للصادرات، ما يضغط على الميزان التجاري من جانبَين: ارتفاع الواردات وتراجع الإيرادات. أمّا سريلانكا التي لم تتعافَ بالكامل من أزمتها السابقة، فتظلّ عرضةً لصدمة جديدة قد تعيدها إلى نقطة الصفر.
قد يؤدّي ارتفاع أسعار الطاقة على المدى المتوسّط إلى تسريع الاستثمار في مصادر بديلة
وتكشف بعض الحالات أهمية الاحتياطيات أداةً استراتيجية لشراء الوقت. خذ على سبيل المثال تايلاند، فرغم ارتفاع اعتمادها على واردات الطاقة، تمتلك مخزونات واحتياطيات نقدية تمنحها هامش مناورة أوسع، وكذلك الهند التي تجمع بين احتياطيات قوية ومرونة في مصادر الاستيراد، بما في ذلك القدرة على استيعاب النفط منخفض الجودة من أسواق بديلة. ربّما لا تلغي هذه المرونة المخاطر، لكنّها تقلّل من احتمالية تحوّل الصدمة إلى أزمة شاملة. ما أريد قوله هنا إنّ أزمة الطاقة لا تعمل بمعزل عن بقية مكوّنات الاقتصاد، بل تتغلغل في كلّ مفاصل النشاط الاقتصادي من الإنتاج الصناعي إلى الاستهلاك، ومن التضخّم إلى سعر الصرف، ومن ثقة المستثمرين إلى استقرار المالية العامة، وهي بذلك تمثّل اختباراً حقيقياً لصلابة النماذج الاقتصادية في دول الجنوب.
ولكن هذه الصورة القاتمة لا تخلو من فرص كامنة، فالأزمات الكبرى غالباً ما تدفع نحو إعادة هيكلة عميقة في أنماط الاستهلاك والإنتاج، وعليه، قد يؤدّي ارتفاع أسعار الطاقة على المدى المتوسّط إلى تسريع الاستثمار في مصادر بديلة، وتحفيز الابتكار في كفاءة الطاقة وإعادة النظر في سياسات الدعم غير المستدامة، كما يمكن أن تدفع هذه الصدمات الحكومات إلى بناء احتياطيات استراتيجية، وتعزيز تنويع مصادر الدخل، غير أن الاستفادة من هذه الفرص ليست تلقائيةً، بل تتطلّب قدرةً مؤسّسية على تحويل الضغط إلى إصلاح. وهنا يكمن التحدّي الحقيقي؛ فهل تستطيع الدول الأكثر عرضة للأزمة أن تنتقل من إدارة الطوارئ إلى بناء استراتيجيات طويلة الأمد؟
في المحصلة، ما نشهده ليس مجرّد أزمة طاقة عابرة، بل لحظة كاشفة لحدود النموذج الاقتصادي في كثير من دول الجنوب العالمي، فحين تصبح الطاقة، وهي المدخل الأساس لكل نشاط اقتصادي، مصدراً لعدم اليقين، فإن ذلك يعيد رسم أولويات السياسات الاقتصادية من جديد. وبينما تملك بعض الدول الوقت والموارد لإعادة التموضع، تجد دولٌ أخرى نفسها أمام خيارات صعبة، إذ يصبح الاستقرار الاقتصادي هدفاً بحدّ ذاته، لا مجرّد وسيلة للنمو.
د. طلال أبو غزاله

.png)