الصين تعيد كتابة التاريخ ومفهوم السيادة التكنولوجية

الصين تعيد كتابة التاريخ ومفهوم السيادة التكنولوجية

طلال ابو غزالة

تمامًا كما نسجت دودة القز خيوط الحرير قبل آلاف السنين لتصنع مسار القوة الاقتصادية والثقافية في الصين القديمة، تعود بكين اليوم إلى الفعل ذاته، ولكن بخيوط من سيليكون ومعرفة، تُنسج هذه المرة في مختبرات شديدة التحصين بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ لتنصع آلة طباعة حجرية بالأشعة فوق البنفسجية.
ومثل كل مرة لم يكن هدف بكين اللحاق بالركب، بل إعادة كتابة التاريخ ومفهوم السيادة التكنولوجية فحين شددت واشنطن قبضتها على تصدير آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، وهي أكثر التقنيات تعقيدًا في صناعة أشباه الموصلات، بدا المشهد وكأنه إغلاق محكم لبوابة المستقبل أمام الصين، غير أن الرد جاء عبر مسار أطول وأكثر عمقًا.
اليوم تعلن الصين ولادة أول نموذج أولي لآلة قادرة على إنتاج رقائق متقدمة، تلك التي تغذي تطبيقات البرمجة التفاعلية “الذكاء الاصطناعي”، وتحرك صناعة الهواتف الذكية، وتشكل العمود الفقري للتفوق العسكري الغربي ضاربه عرض الحائط بمساعي القوى الكبرى على تطويقها بقيود التكنولوجية وحرمانها من مفاتيح المستقبل الرقمي. 
بناء آلة طباعة حجرية بالأشعة فوق البنفسجية بمنزلة ميلاد طريق حرير رقمي جديد، تتولى الصين رسم معالمه هذه المرة بأدواتها الخاصة كجزء من استراتيجية وطنية طويلة النفس، جعلت من الهندسة العكسية أداة للتحرر المعرفي لا مجرد تقنية تقليد، أي تفكيك الأنظمة المعقدة، وتحليل مكوناتها، وإعادة بناء المعرفة الكامنة خلفها.
وعليه، يحق للصين مجددًا أن تعيد هيكلة موازين القوى في سوق أشباه الموصلات العالمي، وهو سوق تُقدّر قيمته بمئات المليارات من الدولارات سنويًّا وتخفيف الضغوط التضخمية المرتبطة بالتكنولوجيا، وتعزيز متانة سلاسل الإمداد الآسيوية في مواجهة أي صدمات أو معيقات. 
أما من زاوية استراتيجية أوسع، يمثل بناء هذه الطابعة انتقالًا واضحًا من منطق إدارة المخاطر إلى منطق اقتناص الفرص، إذ تثبت بكين أن الحصار التكنولوجي لا يوقف الابتكار وأن المناعة المعرفية التي بنتها عبر الاستثمار في الانسان والبحث والتطوير هي الدرع الحقيقي في مواجهة العقوبات.
أيها السادة بكين تعطينا درسًا في كل مرة أن المعرفة ليست حكرًا على أحد، بل مسؤولية تاريخية يمكن ترجمتها إلى فعل على الأرض إذا توفرت الإرادة، وأساس هذه الإرادة أن تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع.

login