الانتقال إلى ما بعد نماذج الذكاء الاصطناعي

الانتقال إلى ما بعد نماذج الذكاء الاصطناعي

طلال ابو غزالة

تتزايد المخاوف من تركُّز أنظمة الذكاء الاصطناعي المطوّرة في الولايات المتحدة على خدمة المجتمعات الغربية والجمهور الناطق باللغة الإنجليزية.
وفي المقابل، تسعى دول أخرى إلى تسريع وتيرة تطوير أنظمتها الخاصة بها في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال نماذج محلية تستند إلى بيانات وتقنيات وطنية، في سبيل تحقيق ما يُعرف بـ «سيادة الذكاء الاصطناعي». ويقصد بذلك الوصول إلى الاعتماد الذاتي الكامل في جميع مراحل دورة حياة الذكاء الاصطناعي.

أطلقت الهند ما يُعرف بـ «India Stack» كاستجابة لهذا التوجه، مؤكدة بذلك على ضرورة تطوير حلول وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي تُراعي المتطلبات المحلية وتعكسها وتلبيها. وتسعى الهند إلى تحقيق الاستقلالية التكنولوجية من خلال تعزيز الابتكار المحلي في مختلف مراحل دورة حياة الذكاء الاصطناعي، مع تقليل الاعتماد على التقنيات الأجنبية، بهدف تعزيز قدرتها على التحكم في مسارها الرقمي. ويشمل ذلك بناء نماذج ذكاء اصطناعي محلية واستضافتها داخليًا لتلبية الاحتياجات الوطنية.

إن التحوّل نحو سيادة الذكاء الاصطناعي يتأثر بشكل متزايد بسياسات الإدارة الأميركية الحالية، التي تسعى إلى إعادة رسم التحالفات التقليدية مع التركيز على المصالح الوطنية على حساب التعاون الدولي. وفي ظل هذا التوجه، قد تجد المجتمعات غير الأميركية، ولا سيما تلك التي تمتلك قواعد مستخدمين محدودة أو لا تنتمي إلى النطاق اللغوي الإنجليزي، قد تجد نفسها مهمشة فيما يتعلق بإدارة المحتوى وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد أدى ذلك إلى تشجيع الدول على تطوير حلول محلية المنشأ، وإعادة تقييم مدى اعتمادها على الولايات المتحدة، التي باتت تُقصي بذلك العديد من المجتمعات حول العالم.

تُسهم الهيمنة الحالية لمجموعات البيانات الأنجلوساكسونية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في إحداث تفاوتات واضحة في مستوى الأداء، ولا سيّما عند التعامل مع اللغات غير الغربية. حيث تُظهر النماذج متعددة اللغات أداءً ضعيفًا عند معالجة لغات مثل الصينية والهندية، وهو ما يؤكد على الأهمية البالغة لتوفير مجموعات بيانات متنوعة وشاملة تعكس التعدد اللغوي والثقافي. وفي هذا الإطار، تبرز النماذج اللغوية المحلية كخيار واعد لتجاوز هذه التحديات وسد الفجوات القائمة.

أحثّ جميع الدول التي تمتلك الإمكانيات في منطقة الشرق الأوسط، على بناء وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها، تعتمد على مجموعات بيانات تعكس خصوصية هذه المنطقة، بما يساهم في الحفاظ على لغتها وتاريخها وثقافتها، وضمان توثيقها في سجل التكنولوجيا المعاصرة لتصبح جزءًا أساسيًا من هذه الثورة التقنية الحديثة. لقد أمعنا النظر في الماضي طويلًا، معجبين بالإنجازات العظيمة التي حققها العرب عبر تاريخهم، والآن حان الوقت للانتقال نحو بناء مجتمعات تساهم بفاعلية في تحسين الوضع العالمي في الوقت الراهن.

أرى أنه من الضروري تطوير بدائل لنماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، وأننا قادرون على تشكيل مستقبل تكون فيه التكنولوجيا أداةً تسهم في التقدم العالمي، بدلاً من أن تقتصر فائدتها على تقدم ثقافة شعب واحد ومنفعتها فقط.طلال أبوغزالة
مفكر عربي

login