الصين تعيد تشكيل النظام المالي العالمي

الصين تعيد تشكيل النظام المالي العالمي

طلال أبوغزاله
تُشكل الخطوة الأخيرة التي اتخذتها بكين بربط نظام التسوية العابرة للحدود لليوان الرقمي مع دول الآسيان والشرق الأوسط، تحديًا مباشرًا لنظام "سويفت" وللدور المركزي الذي لعبه الدولار لعقود في التجارة العالمية.
الواضح أن بكين لا تسعى للمنافسة فقط، بل لإعادة صياغة قواعد النظام المالي العالمي إذ أنه ولسنوات، مثّل سويفت أداة مركزية في هيمنة الغرب على النظام المالي العالمي، حيث تستغرق التحويلات عبره أيامًا وتُفرض عليها رسوم مرتفعة وإجراءات رقابية مشددة. وفي المقابل، تقدم الصين بديلًا يعتمد على البلوك تشين، يتيح تحويل الأموال خلال ثوانٍ وبتكلفة لا تكاد تذكر. فتجربة التحويل بين هونغ كونغ وأبو ظبي، التي أُنجزت في سبع ثوانٍ، جسدت هذا التغيير، مستبعدة البنوك الوسيطة التي طالما كانت جزءًا من قبضة الغرب المالية.
وقوة اليوان الرقمي ليست في سرعته فحسب، بل في بنيته التقنية التي تجمع بين الكفاءة والرقابة الذكية، فكل معاملة تُسجل وتُراقب بشكل لحظي. ففي مشروع "بلدان وحديقتان" مع إندونيسيا، أُنجزت عملية تسوية في 8 ثوانٍ، بحيث جذبت هذه الكفاءة والسرعة اهتمام 23 بنكًا مركزيًا حول العالم، بينها دول نفطية كالسعودية والإمارات، اللتين سجلتا انخفاضًا كبيرًا في تكاليف التسوية تجاوز 75%.
وأرى أن هذا التحول لا ينفصل عن أبعاده الجيوسياسية. فبينما اعتمدت الولايات المتحدة على سويفت كسلاح عقوبات، كما حدث مع إيران وروسيا، كانت الصين تطوّر شبكتها البديلة بعيدًا عن الضجيج. ففي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري باليوان في دول الآسيان 5.8 تريليون يوان، بزيادة تفوق 120% مقارنة بعام 2021، وأن دول مثل ماليزيا وسنغافورة بدأت بإدراج اليوان في احتياطاتها، وتايلاند استخدمته في أول صفقة نفطية رقمية.
وفي الحقيقة فإن اليوان الرقمي ليس معزولًا عن المشروع الأوسع للصين، "الحزام والطريق" بل جزء من منظومة رقمية متكاملة تشمل شبكات الاتصالات الكمّية ونظام بايدو التجريبي للملاحة بالأقمار الاصطناعية ما أسهم برفع كفاءة العمليات التجارية بنسبة 400%، حتى أن شركات أوروبية بدأت استخدام اليوان الرقمي في شحناتها عبر الممر القطبي.
وفيما تتردد الولايات المتحدة بشأن مستقبل العملات الرقمية، تمكنت الصين من بناء شبكة دفع عالمية تغطي أكثر من 200 دولة، بتعاملات تتجاوز تريليون دولار، لذا فإن ما نشهده ليس مجرد تحوّل مالي، بل بداية صراع طويل على من يملك حق كتابة شيفرة المستقبل، وفي هذا السباق.
login