الحاسوب لغة الأبناء والمستقبل واستثمار استراتيجي يفك قيود التبعية
الحاسوب لغة الأبناء والمستقبل واستثمار استراتيجي يفك قيود التبعية
إذا كانت الأمم تدرك بالفطرة أن إتقان لغة العصر ضمانة للمستقبل، فإن تعليم البرمجة للأطفال، منذ سنواتهم الأولى يمثل استثمارًا استراتيجيًّا يحدد موقع الأمة في خريطة الغد، فنواميس الكون التي وضعها الله ولا يحابي فيها أحدا لا تمنح فرصًا للمتأخرين، والمهارات الرقمية هي الثمن الذي يجب دفعه للمشاركة الفاعلة.
فالبرمجة تفتح أبوابًا لم تكن معهودة في مؤسساتنا ونظمنا التعليمية باعتبارها تمرينا ذهنيا عالي المستوى لتنمية التفكير النقدي والمنطقي ومهارات حل المعضلات، بحيث يُدرك النشأ من خلال الغوص في شفراتها، أن الحياة أشبه بـمتاهة منهجية، يتعلم فيها كيف يقرأ الأنماط ويُحلل المتغيرات بأسلوب لا يدع مجالاً للحظ والعشوائية.
وأقول إن هذا الانخراط العميق في المنطق يعزز، في صمت، قدراته الحسابية بعيدًا عن رتابة المناهج التقليدية، والأهم طبعًا أنها تمنحه مساحة للإبداع ليتحول إلى صانع ألعاب وتطبيقات بدلًا من أن يكون مجرد مستهلك لها، وهنا تُزرع روح المنتج وتُؤسس الأرضية الصلبة لفهم أساسيات التكنولوجيا الحديثة في عالم يغير ملامحه بوتيرة يومية.
ولأننا في لحظة تاريخية تتسارع فيها الإيقاعات التقنية وتتوالد فيها أدوات البرمجة التفاعلية” الذكاء الاصطناعي”، فإن الفرص المتساوية وهاجس المنافسة الدولية لا يمكن فصل الأبعاد الاجتماعية عن هذا المسعى الاستراتيجي، فالبرمجة توفر فرصًا متساوية للجميع للمشاركة في المجتمع الرقمي العالمي، بصرف النظر عن الخلفيات الاجتماعية أو الجغرافية، فضلًا عن كونها حقلًا خصبًا لـ تعزيز ثقافة التعاون والعمل الجماعي في مواجهة التحديات الرقمية، ما يغرس الثقة في النفس وقدرة الأفراد على حل المعضلات المشتركة.
من الزاوية التربوية، البرمجة هي مدرسة الصبر والمثابرة، خاصة عند مواجهة الأخطاء البرمجية كتجارب تعليمية حية تدمج التعلم العملي والتفاعلي مع التفكير النقدي، في ثورة صامتة على الحفظ والتلقين الذي فقد فاعليته في عصر المعرفة، وفي خضم هاجس المنافسة الدولية، لا بد من الإقرار بأن تعليم البرمجة هو بطاقة العبور التي تُجهز الطالب العربي لمواكبة الثورة الرقمية العالمية، وتمنحه القدرة على التألق في المسابقات العالمية مبكرًا.
كما تمتد الأهمية لتطال ريادة الأعمال الرقمية؛ فتعليم البرمجة مبكرًا هو شرارة تطلق طاقات الطفل لتطوير مشاريعهم الخاصة، وهو ما ينمي لديهم حس الابتكار ويزيد من إنتاجية الصناعات المحلية على المدى الطويل
ولأن رهان الاقتصادات الجديدة تقوم على فك قيود التبعية، وعليه لابد من إعداد جيل من المبرمجين المتخصصين كركيزة لا غنى عنها لـتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية التي تكلف الخزائن الكثير، وحينها يتحول الاقتصاد العربي من مستهلك للحلول إلى مصدر للتقنية والإبداع بما يعزز القوة العربية القادرة على تلبية احتياجات سوق التكنولوجيا الذي ينمو بلا توقف.
د. طلال أبوغزاله

.png)