التغيّر المناخي لاعباً في صياغة سياسات الدول

التغيّر المناخي لاعباً في صياغة سياسات الدول

واضح أن التحوّلات المناخية تضرب اليوم بوتيرة تكاد تربك حتى أكثرنا تفاؤلاً، وما كنّا نظنّه في الأفق القريب حلّاً بلا استئذان، ليضع العالم أمام مرآة الجاهزية والاستعداد، والمخاطر التي لطالما دقّ ناقوسها الخبراء لم تعد حكايات عن غدٍ قد يأتي أو لا يأتي، بل أصبحت واقعاً حيّاً يطاول الجميع؛ أوروبا القارّة التي لطالما قدمت نفسها نموذجاً للقدرة على التنبؤ والسيطرة تتلمس خطواتها على أرضها وبين جمهورها، فالجفاف الذي يضرب أنهارها وحقولها اليوم ليس أزمة عابرة، بل علامة على أن النظام المناخي نفسه بات اللاعب الأكبر في صياغة سياسات الدول، وتحديد ميزانياتها، وتوجيه قراراتها.

ولكن، لنكن أكثر وضوحاً، فحين تتقلص أنهار الراين والبو والدانوب، لا تتأثر أوروبا وحدها، بل يتغيّر المزاج العالمي كلّه، من أسعار الحبوب إلى حركة الطاقة والنقل والتجارة، وتزداد الصورة قتامةً عندما نلقي نظرة على المحاصيل الزراعية، كالذرة، والقمح، والزيتون، وحتى كروم العنب تشهد تراجعاً متسارعاً، في حين تصعد درجات الحرارة لتفوق المعدلات المعتادة.

وطبيعي في هذه الحالة أن تترقب الأسواق العالمية كلّ انخفاض، وكل نقص في الإنتاج، وبينما الدول الأوروبية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه تمتد رؤيتي إلى العالم العربي، حيث الهشاشة أعمق، والاعتماد على الخارج أثقل، والهامش المتاح للتأخّر أضيق بكثير، وأقول إنه إذا كانت أوروبا المتخمة بالتقنية والموارد ترتبك أمام موسم واحد من الجفاف، فكيف الحال في مناطق تكافح أساساً لتأمين مياه الشرب والري، وتعتمد في غذائها على الأسواق العالمية أكثر مما تعتمد على أراضيها.

... نعم، الاعتماد على الاستيراد يجعل أيّ اضطراب في الخارج تهديداً مباشراً لمائدة المواطن العربي، بينما ندرة البنى التحتية المائية تجعل التكيّف مع أيّ تغيّر في الموارد صعباً ومعقّداً، وهنا يتبدّى جوهر القضية، فالمشكلة ليست في الجفاف الأوروبي بحد ذاته، بل في ما يكشفه عن مستقبل لن ينتظر أحداً، وعن عالم ستدار فيه السياسات حول الماء والغذاء قبل أيّ شيء آخر، ففي أفقه تلوح هجراتٌ واسعة، وربما حروب لتقاسم المياه والمواسم.

وفي هذا المستقبل القريب، يجب ألا تكتفي دولنا العربية بردات الفعل أو المسكّنات المؤقتة، فالأمن الغذائي والمائي ليسا ملفين تقليديين، بل معركة وجود، لا تُخاض إلا بأسلحة عصرية، وفي مقدمتها البرمجة التفاعلية المسمّاة الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يحوّل الزراعة وإدارة المياه من لعبة احتمالاتٍ إلى علم دقيق، وتنبؤ بالمحاصيل، وإدارة للري، ومراقبة للمياه الجوفية، وتعويض سنواتٍ من الهدر والاعتماد على الخارج.

الكأس الممتلئة أن التقنيات الحديثة تقدم إمكانات غير مسبوقة، منها، على سبيل المثال، تحليل بيانات الطقس والتربة لتحديد أوقات الزراعة المثلى، وكمية المياه الدقيقة المطلوبة لكلّ محصول، ما يقلل الفاقد ويحسّن الإنتاجية، ومنها لرصد الآفات والأمراض قبل انتشارها، وتقديم حلول استباقية تمنع الخسائر. وفي مرحلة أوسع، يجب أن تساعد النظم الذكية صانعي القرار على تخصيص الموارد المالية بشكل أكثر فاعلية، وربط خطط التنمية الزراعية بأهداف التنمية والاستدامة طويلة المدى.

مع ذلك، لا يقتصر التحوّل على التقنية، بل برؤية استراتيجية تشمل الاستثمار في البنية التحتية للمياه، وتعزيز قدرات المزارعين، وإيجاد شراكات بين القطاعيْن العام والخاص، فمشاريع الريّ الحديث، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، والتمويل المستدام للمزارع الصغيرة، كلّها خطوات ضرورية لتحصين المستقبل، مع الاستفادة القصوى من الخبرات العالمية التي سبقتنا في تبنّي تقنيات البرمجة التفاعلية الزراعية. ربما يكمن التحدّي الأكبر هنا، أي تأمين التمويل طويل الأمد، إذ تتطلّب مشاريع تطوير البنى التحتية المائية والزراعية موارد ضخمة لا يمكن الاعتماد على التمويل الحكومي وحده لتغطيتها. وعليه، لا مناص من تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص ضرورة استراتيجية يقدّم فيها القطاع الخاص رأس المال والخبرة التشغيلية، بينما يضمن القطاع العام استقرار السياسات وتوفير الحوافز والضمانات. كما يجب أن تشمل الرؤية تطوير البرامج التدريبية للمزارعين وتعزيز وصولهم إلى التقنيات الحديثة، بما يجعلهم شركاء فاعلين في بناء منظومة مستدامة، قادرة على مواجهة أي صدمات مستقبلية.

وأقول إن هذه المنظومة المتكاملة من التمويل والشراكات والبنية التحتية قد تشكّل عاملاً حاسماً لتحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى قوة فعلية تعزّز الاكتفاء الذاتي الغذائي، وتنشئ أساساً لمستقبل مستدام وواعد. الدرس الأوروبي واضح؛ حتى البلدان الأكثر قدرة وثراء يمكن أن تُفاجأ عندما يصنع المناخ سياساتها. أما نحن، فحساباتنا أقلّ مرونة وأكثر تواكلاً، لذلك، التحرّك المبكر ليس خياراً، بل ضرورة، فالماء قبل أي شيء آخر مفتاح الحياة والاستقرار، ومن يملكه ويعرف كيف يديره، يضمن القدرة على توفير الغذاء، ودرء الكوارث، وتحقيق تنمية مستدامة.

وعليه أقول: الأمن الغذائي العربي، إذا ما أريد له النجاح، يجب أن يتحوّل إلى مشروع رائد يدمج بين التكنولوجيا والموارد والاستراتيجية، بما يحوّل تهديدات المناخ إلى فرصة لإعادة بناء المنظومات الزراعية والمائية على أسس أكثر ذكاء وكفاءة. الجفاف الأوروبي ليس تحذيراً بعيداً، بل مرآة لما سيحصل إن لم نكن مستعدّين، وفرصة لإعادة صياغة الأمن الغذائي العربي من الاعتماد إلى الاكتفاء وربما الوفرة، باستخدام أدواتٍ لم يعد غيابها مقبولاً؛ الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا، والإدارة الاستراتيجية الذكية للماء والغذاء.

المستقبل لن ينتظر المتردّدين، والطبيعة لن تمنح فرصة ثانية للمتواكلين من بعيد، بينما العالم يكتب سياساته الجديدة بمداد الهطولات المطرية واتجاهات الرياح.

د. طلال أبوغزاله

login