زيارة البابا إلى لبنان.. رسالة محبّة بسطور لم تكتمل....

زيارة البابا إلى لبنان.. رسالة محبّة بسطور لم تكتمل....

أتابع باهتمام وتقدير بالغ زيارة البابا "لاوون " إلى لبنان، ومن الأجواء العامة، أدرك كم يشعر لبنان واللبنانيون، بالمواساة والمؤانسة والمؤازرة، بتلك الزيارة الكريمة، التي هي وسيلة هامة جداً من وسائل رفع المعنويات، وترميم الإنكسارات، وتضميد الجِراح التي عانى ويعاني منها لبنان كارثة تلو الأخرى، كان الله في عونه..
لهذا فإنّ زيارة البابا ليست مجرّد زيارة عابرة، بل هي زيارة طمأنةٍ وسط العواصف السياسيّة التي تعصف بلبنان وبأمنه واستقراره..
وفي خطاب البابا الجليل الذي افتتح الزيارة بحضور رسمي على أرفع مستوى يتقدّمهم الرئيس اللبناني "جوزيف عون " بكلمة احتفالية مرحّباً بدماثته وأسلوبه الراقي وحضوره المشرق، الذي أعطى وما يزال الكثير من الأمل والتفاؤل للشعب اللبناني "المُرهق " الذي يستحق كل أمان واستقرار وحبّ..
كان صوت البابا واثقاً، وهو يدعو إلى التسامح، وإلى الحفاظ والحرص على العيش المُشترك، في بلد يتقاطع فيه الألم مع الرجاء.. ودعوة البابا لم تكن مسموعة بقلوب المسيحيين فقط، بل كانت دعوة تردد صداها بقلوب كل المؤمنين بالكتب السماويّة، مهما اختلفت معتقداتهم، ومهما تنوّعت أساليبهم، فالمؤمن حسبه قلبه، والعبادات لله وحده، والأهم هو احترام حرية المعتقد السائد بين الجميع، وخاصة أنّ لبنان كما نوّه البابا، ومن سبقه من الزائرين الكرام الذين أجمعوا دائماً على أهميّة هذه الواحة الإنسانية في الشرق التي تزخر بالتعددية الروحية، والتي تعتبر محطة رمزية جامعة، وآسرة، ومؤثّرة..
صحيح أني مع كل حرف تفضّل به غبطة البابا لاوون، ولكن يحضرني السؤال المُلِح.. ألم يكن من البديهي أن تمتد زيارة البابا إلى فلسطين حيث ولد السيد المسيح سلام الله عليه، وبعدها يستكمل الزيارة إلى الأردن الحبيب حيث نهر الأردن الذي تقدّس بمعمدانيّة السيد المسيح.. إنها بلاد الشام، ليست بلاد الحضارات القديمة قِدَمِ الإنسان، بل مهد الرسالة السماوية، وأرض الرسالة والرسل التي صالوا فيها وجالوا وتركوا الكثير من عبق القداسة، الذي تجسّد بعطر دم المسيح، وشذى دموع السيدة العذراء، ليستمكل فصول الحكاية، ويقف على منصّة الحدث، حيث ارتسم المشهد من ألِفِهِ إلى يائِه، وكأنها كانت في الأمس القريب، فالقداسة لا تنتهي، طالما أن الإيمان لدى الأجيال يسري مسرى نهر الأردن، وطالما أن شعلة النور تضاء في كنيسة القيامة على أرضي فلسطين، فهل يرضي غبطة البابا أن يكتفي بقسط من الحكاية، أم يجب أن يستكملها عاجلاً وليس آجل، ليشهد عذابات الطفولة، وجراح الإنسانية، وتمزّق الأوطان، وليساهم في إضاءة شمعة في وجه الظلام السياسي، والظلم الكبير الذي تخطط له دول القرار، دون أن يرفّ لها جفن، ودون أن يرتجف لها خافق عرف يوماً بسيد الطوباوية، الفادي، المخلّص، المسيح سلام الله عليه.
ربما كانت مسؤولية البابا أن يطالب باستكمال الزيارة وفق استراتيجيتها الجغرافيّة المقدّسة، وربّما كانت هذه الترتيبات من الدول المعنيّة للمساهمة في تعزيز زيارة البابا بتوسيع الدائرة لاستكمالها، وأيا يكن المسؤول عن هذه الترتيبات المحورية لدور البابا في الشرق، فلا بد من تجديد الدعوة، من قِبَل الجهات المعنية، قريباً جداً، لتمتين أواصر الثقة، وتأسيس جسور وقواسم جامعة بين المؤمنين في الله والوطن والأرض والإنسان، لنبذ العنف، ورفض الأحقاد، ووقف نزف الدم، واستعادة الكرامة الإنسانية، ورد الاعتبار لمفهوم الأمان والاستقلال والاستقرار في البلاد التي خبرت كل أنواع القهر، التي يبكيها تباعاً السيد المسيح وكلّي ثقة، أكثر بكثير مما بكى آلامه قطعاً.

د. طلال أبوغزاله

login