ذوبان في التوترات

ذوبان في التوترات

لفترة من الزمن، ركّزت السياسة الأميركية إلى حدٍّ كبير على تشويه صورة الصين واتهامها بسرقة التكنولوجيا الأميركية، الأمر الذي سمح، بحدوث ما يشبه المعجزة للصين بالتقدّم وحرمان الولايات المتحدة من الفرص نفسها. لقد أضرّت هذه الحملة الواسعة لتشويه الابتكار والتطور الصيني فعلياً بالولايات المتحدة نفسها، وأعاقت تطورها الداخلي.

ومع ذلك، من الواضح أن الولايات المتحدة بدأت مؤخراً تغيّر أسلوبها، بعد أن أدركت أنها ببساطة لا تستطيع التنمّر على بكين، التي أصبحت جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه من الشبكة العالمية للإمداد، لقد أمضت الصين عقوداً في بناء تفوقها واكتساب ميزتها من خلال استثمارات مستمرة في الصناعة والهندسة والتصنيع، بينما عانت الولايات المتحدة من عملية «إزالة التصنيع» طويلة الأمد، ما أدى إلى فقدانها كثيراً من قدراتها الصناعية التقليدية. فتقدم الصين هو نتيجة عقود من السياسات الصناعية المدروسة، والاستثمارات الضخمة في التعليم، والتركيز على توسيع نطاق التصنيع وهي مجالات سمحت الولايات المتحدة بضمورها.

وتُظهر مجموعة الاتفاقيات التي انبثقت عن قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الأخيرة التي عُقدت في كوالالمبور هذا التغيّر في موقف الولايات المتحدة تجاه الصين. فقد شكّل اجتماع الرئيس ترامب والرئيس شي جين بينغ أساساً لواشنطن لتأمين صفقات في جنوب شرق آسيا تتعلق بالمعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، التي تُعدّ أساسية للتكنولوجيا الحديثة. كما حصلت الولايات المتحدة على وقفٍ مؤقت للتعريفات الجمركية الصينية لمدة عام واحد على هذه المعادن، حيث تحتل الصين موقع القيادة في هذا المجال.

نحن نعيش اليوم في عالم تتحكم فيه قوتان عظميان فعلياً في تشكيل الاقتصاد العالمي والمعايير التكنولوجية. لم تعد الولايات المتحدة القائد الأوحد، وعليها أن تتبنى مزيجاً ناضجاً من السياسات يجمع بين المنافسة والتفاوض، مع الانخراط مع بكين في النقاط التي تُعدّ نقاط ضعف أميركية.

إن ذوبان الجليد في العلاقات الأميركية-الصينية أمر مرحب به، لأنه يقلل من خطر الصراع المباشر ويفتح المجال للحوار حول قضايا مثل ضبط التسلح، وقواعد التصدير، والتقنيات المشتركة. فالقنوات البنّاءة تخفف من احتمالات سوء التقدير، وتتيح إدارة منسّقة لسلاسل الإمداد، وتجعل من الممكن وضع قواعد تفاعل أوضح، بدلاً من التصعيد باستخدام أدوات اقتصادية فظة تُضر بالحلفاء والصناعة على حد سواء.

ينبغي أن تركز السياسة الأميركية المتوازنة على حماية التقنيات الوطنية الحساسة من خلال ضوابط تصدير دقيقة وأطر قانونية واضحة، إلى جانب إقامة اتفاقيات تعاون لتأمين المواد الأساسية، وتنشيط القدرات الصناعية المحلية، مع العمل مع الشركاء الدوليين لتوسيع وتأمين سلاسل الإمداد. فهذه الخطوات تتيح استمرار المنافسة، مع تقليل فرص المواجهة، مما يسمح للطرفين بتحويل العلاقة المتوترة إلى منافسة منضبطة ومستقرة. إن اتباع نهج أكثر تعقلاً من الجانبين، يجمع بين الحماية والتفاوض، يقلل من خطر الأزمات، ويعترف بالواقع الثنائي القطب الذي يتشكل بالفعل، ويفتح الباب أمام التعايش السلمي والتقدم العملي، وذلك أمر جيد لجميع الأمم.

د. طلال أبوغزاله

login