هل ما زال في لبنان متّسع للثقة؟ بين تعثر العدالة وتجميد الحقوق

هل ما زال في لبنان متّسع للثقة؟ بين تعثر العدالة وتجميد الحقوق

ما يجري في لبنان منذ سنوات لم يعد أزمة مالية فقط، بل تحول إلى أزمة ثقة عميقة تمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين القضاء والمودعين، ومع البيئة الاقتصادية  والاستثمارية بشكل عام، ففي ظل أزمة مصرفية غير مسبوقة، يجد الآلاف من اللبنانيين والعرب والمستثمرين أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أموالهم وحقوقهم، في وقت تتزايد فيه علامات الاستفهام حول مسار العدالة وفعالية المؤسسات.

من بين القضايا التي استوقفت الرأي العام مؤخرًا، وتابعها العالم كله، ما يتعلق بالملف القضائي الخاص بحاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، والذي خلال فترة توليه حصل ما حصل من كارثة تجاه أموال المودعين، إذ صدر قرار قضائي في 28 أيار 2025 عن قاضية التحقيق في بيروت بتوقيفه، بناء على شكوى تقدم بها الدكتور طلال أبوغزاله، رجل الأعمال المعروف ورئيس ومؤسس مجموعة طلال أبوغزاله العالمية الرقمية، تتضمن اتهامات تتعلق بتجاوزات مالية وإدارية.

ورغم أهمية القرار القضائي والذي فتح نافذة أمل للمودعين واللبنانيين ولسمعة الاقتصاد اللبناني ككل، فإن تطورات الملف لاحقًا طرحت تساؤلات مشروعة لدى المتابعين، خصوصًا بعد تنحي قاضيين من الهيئة الاتهامية التي تولت الاستئناف، دون توضيح الأسباب، ما استدعى تشكيل هيئة جديدة للنظر في القضية. وبينما كانت الأمور تتجه نحو إعادة تقييم الأدلة، سُجل غياب مفاجئ لمذكرة قانونية أساسية قُدمت ضمن لائحة الدفاع عن الجهة المدعية، رغم توثيق ورودها في محضر رسمي.

هذا الغياب، وإن لم يُثبت فيه أي تعمّد أو تقصير حتى اللحظة بحسب المعطيات، إلا أنه أظهر ثغرة إجرائية تستدعي التوقف عندها، لا سيما في قضايا ذات طابع حساس تمس ثقة الرأي العام في أهم مفاصل الدولة اللبنانية، ويزيد من هذا القلق أن قرار الهيئة الجديدة جاء بإخلاء سبيل المتهم بكفالة مالية، رغم الجدل حول اكتمال المستندات التي بني عليها القرار.

في الموازاة، لا يمكن إغفال السبب الرئيسي وراء كل ذلك، وهو واقع الأزمة المصرفية التي تعصف بلبنان منذ العام 2019، والتي ما تزال دون حل واضح أو رؤية إصلاحية شاملة، فالمصارف تحتجز ودائع بمليارات الدولارات، من بينها ودائع تفوق قيمتها 45 مليون دولار تعود لمجموعة طلال أبوغزاله العالمية، جُمعت عبر تحويلات قانونية، وبما يعكس جهدًا مؤسساتيًا طويل الأمد.

هذه الأموال ليست فقط ملكًا لمؤسسة اقتصادية، بل تمثل مسؤولية تجاه موظفين ومشاريع وحقوق استثمارية، ويفترض أن تتمتع بالحماية القانونية الكاملة في أي دولة تسعى لجذب الاستثمارات وحماية أموال الناس، ومع ذلك، لم تُطرح حتى اليوم خريطة طريق واضحة تعيد الحقوق لأصحابها، سواء للأفراد أو للمؤسسات.

إن ما يحصل اليوم في لبنان الشقيقة لا يستدعي الإدانة، بقدر ما يتطلب مساءلة هادئة وموضوعية لكل منظومة العمل العام في لبنان، فحين تغيب الأدلة، أو تضيع الأوراق، أو تتأخر العدالة، فإن أول ما يُصادر هو الثقة، وثقة الناس والاقتصاديين والمواطنين هي الأساس في أي تعافٍ اقتصادي أو سياسي.

ورغم كل التحديات، لا بد من التوقف أمام بارقة أمل تظهر بوضوح في الأفق اللبناني، فاليوم هناك رئيس للجمهورية مشهود له بالنزاهة والاستقامة، ورئيس حكومة يتمتع بسمعة طيبة وسجل نظيف. فهل تكون هذه القيادة مدخلًا فعليًا لعودة لبنان الذي نعرفه؟ لبنان العدالة والمؤسسات والقانون؟ إن الآمال كبيرة، وما يحتاجه لبنان هو أن تُمنح هذه القيادة فرصة لإثبات قدرتها على الإصلاح، واستعادة الثقة، وبناء الدولة التي يليق بها شعبها.

الجمهورية اللبنانية ، بتاريخها ومؤسساتها وشعبها، لا تزال قادرًا على النهوض، لكن ذلك يتطلب قرارات جريئة شجاعة وإرادة إصلاح، تبدأ من احترام حقوق المواطنين اللبنانيين والمودعين، وتُستكمل بضمان نزاهة واستقلال القضاء، ليبقى القانون هو المرجعية الوحيدة، بعيدًا عن التأثيرات والضغوط.

وفي الختام، فإن هذه القضايا مهما كانت معقدة يجب أن تُدار بشفافية، وأن تُعالج بروح العدالة، لا بروح المجاملة

بقلم: إحسان القاسم

login